جذور وحلول أزمة المياه في إيران

إيران، بفضائها الواسع ومناخها الجاف وشبه الجاف في الأغلب، ترزح اليوم تحت ضغطٍ غير مسبوق من شحّ المياه. دورة الهطول الطبيعي لم تعد تكفي سكّانًا في ازدياد وزراعة مترامية، كما أنّ البنية التحتية المتقادمة أو غير الكافية تعجز عن مجابهة الإجهاد المائي. لفهم أبعاد الأزمة الراهنة، لا بدّ من النظر بالتوازي إلى ديناميكيات المناخ، وبنية الاستهلاك، وتحدّيات الحوكمة، وإرث إدارة المياه التقليدية.

المشهد العام لموارد المياه في إيران

يقلّ متوسط هطول الأمطار السنوي في إيران عن ثلث المتوسط العالمي، وتوزّعه غير متكافئ بشدة: فبعض مناطق الشمال ينال حتى 2000 ملم سنويًا، بينما أجزاء واسعة من الوسط والجنوب لا تتجاوز 100 ملم. وقد عزّز تغيّر المناخ اتجاهين مقلقين:

  • ارتفاع الحرارة وتزايد التبخّر السطحي، ما يجعل جزءًا من الجريان السطحي يتلاشى قبل تغذية المياه الجوفية.
  • اختلال نمط الهطول: تميل الأمطار إلى أحداث قصيرة وسيول جارفة، فتتراجع فرص الترشّح الفعّال في التربة.

النتيجة: هبوط مستمر في مناسيب المياه الجوفية بمعظم السهول وتسجيل عجز مائي في أكثر من ثلثي الأحواض الجوفية الرئيسة. وتؤدي قِلّة سماكة الطبقة المشبعة إلى تفاقم مخاطر الهبوط الأرضي والفجوات الانهدامية (السُّقوطات)، بما يضرّ بالبنى التحتية الحضرية والريفية. وفي هذا السياق، انحدرت محافظات عدة على أطراف الصحراء المركزية إلى «حدٍّ أدنى من الأمن المائي».

ریشه‌ها و راهکارهای بحران آب در ایران
ریشه‌ها و راهکارهای بحران آب در ایران

توزيع الاستهلاك حسب القطاعات

تختلف بنية الاستهلاك في إيران عن كثير من الدول: نحو 89% للـزراعة، ونحو 8% للشرب، وأقل من 3% للصناعة. ورغم ضآلة الحصّة المنزلية والصناعية، فإن انخفاض إنتاجية المياه الزراعية والري بالغمر التقليدي يفاقمان المشكلة. ففي بعض السهول الوسطى لا تتجاوز كفاءة الري 30%؛ أي إن ثلثي المياه المسحوبة من الآبار أو القنوات لا يصل إلى الجذور بل يتبخّر أو يتسرّب.

بحيرات وأراضٍ رطبة تحتضر

كانت بحيرة أرومية جوهرةَ الشمال الغربي، لكنها اليوم ظلٌّ من ماضيها. فبعد عقدين من الإفراط في سحب مياه الأنهار المغذِّية وتعاقب الجفاف، انخفض منسوبها في أشدّ السنوات جفافًا حتى 8 أمتار، وتقلّصت مساحتها إلى أقل من 10% من مستواها التاريخي.

وتسير غافخوني (أصفهان) وشادغان (خوزستان) وبختغان (فارس) على النهج نفسه: تراجعت الحصص البيئية، وانكشفت رواسب الجزر الملحية، وتحوّلت النُّظم البيئية المحلية.

العواصف الغبارية الناتجة عن قيعان الأراضي الرطبة الجافة ترتدّ إلى الصحة والزراعة وحتّى نوعية المطر، مولِّدة حلقة ارتجاعٍ سلبية على نطاق البلاد.

الهبوط الأرضي والفجوات الانهدامية ومخاطر الأحواض الجوفية

ترتبط المبالغة في استنزاف المياه الجوفية بوضوح مع الهبوط الأرضي في مدنٍ ككرمان وورامين وسمنان ومشهد. في بعض السهول تبلغ سرعة الهبوط حتى 25 سم/سنة، متجاوزةً معدلات وادي سنترال في كاليفورنيا. وقد تنفتح فجوات انهدامية بعرض عشرات الأمتار فجأةً في الحقول أو على أطراف الطرق فتبتلع بنىً حيوية.

مؤشّر الإجهاد المائي حسب المحافظة

المحافظة مستوى الإجهاد المائي أبرز ملامح الأزمة
طهران حرِج كثافة سكانية عالية؛ سحب كبير من حوض كرج الجوفي؛ هبوط أرضي جنوب-غرب المدينة
أصفهان مرتفع طلب زراعي شديد في حوض نهر زاينده‌رود؛ خطرٌ يطال الجسور التاريخية
كرمان حرِج أوسع المحافظات جفافًا؛ فجوات انهدامية في سيرجان ورفسنجان
يزد حرِج اعتماد شبه كامل على الآبار العميقة والتحويلات بين الأحواض
خراسان الرضوية مرتفع مدينة مشهد؛ زراعة نيشابور-قوچان بعجزٍ في الميزان الجوفي
سيستان وبلوشستان مرتفع جفاف نهر هلمند؛ هجرة معيشية من زهك إلى المدن
خوزستان متوسط وفرة مياه سطحية يقابلها تلوّث وتجزّؤ في الإدارة
مازندران منخفض أمطار كافية؛ التركيز مستقبلاً على الجودة والسيول
جيلان منخفض أنهار دائمة الجريان؛ قلقٌ من التلوّث الحضري
البرز حرِج نموّ حضري/صناعي سريع؛ محدودية الموارد المتجدّدة

تعريف المستويات:

  • منخفض: مخزون ومطر كافيان وإدارة مقبولة نسبيًا
  • متوسط: تحدّيات موضعية تتطلّب تحسين إدارة الاستهلاك
  • مرتفع: ضغط شديد على الموارد وخطر هبوطٍ أو جفاف أراضٍ رطبة
  • حرِج: عجز جوفي؛ حاجة إلى تدخلات حوكمية وهندسية عاجلة

إرث الريّ الذكي التقليدي

القنوات الجوفية (القُناة/القَناة – Qanat)

عمرها يتجاوز ألفي عام، وتنقل مياه الأحواض الجبلية بانحدارٍ لطيف ومن دون طاقة. جريان الماء في نفقٍ باردٍ تحت الأرض يقلّل التبخر ويُبقي جودة المياه مستقرة. اليوم جرى حصر نحو 34 ألف قناة، والكثير منها خمد بسبب هبوط المنسوب وانسداد البئر الأم.

الخزّانات الأرضية والبرك

الخزّانات شبه الجوفية ذات القباب والبادگير (ملاقف الرياح) والأحواض الحجرية كانت تحفظ الماء باردًا وسليمًا في صيف الصحارى اللاهب. وسلسلة «قناة – خزّان – مسجد» كانت نموذجًا لعمرانٍ مستدام في المناخ الجاف. إحياء هذه المنشآت قد يعيد جزءًا من أمن المياه على مستوى الأحياء ويخفف الضغط عن الشبكات الحديثة.

مشاريع معاصرة: منافع وتحديات

  • السدود الكبرى: شُيّد أكثر من 180 سدًا وطنيًا خلال خمسة عقود؛ حسّنت إمدادات المدن لكن زادت تبخّر السطوح واحتجاز الرسوبيات وقلّصت الحقوق البيئية للمجرى الأدنى.
  • التحويلات بين الأحواض: خطوط طويلة—مثل نقل مياه قزوين إلى سمنان أو كهَرنغ إلى أصفهان—عادلت الإمدادات مؤقتًا لكنها أفرزت مشكلات بيئية واجتماعية في مناطق المنبع.
  • الريّ بالرشّ والتنقيط: دعمت السياساتُ المعداتِ فغطّت الأنظمةُ المضغوطة أكثر من 3 ملايين هكتار، غير أن شفافية تقييم المكاسب الإنتاجية ما تزال غير كافية.
  • تحلية مياه البحر: قدرة تشغيلية أقل من 350 ألف م³/يوم؛ تكاليف الطاقة والتخلّص من الرَّجيع الملحي يحدّان التوسع.

لماذا لم تُحقّق السياسات الحالية أهدافها؟

  • ضعف التنسيق بين الوزارات وتضارب المصالح على مستوى المحافظات
  • التركيز على العرض بدل إدارة الطلب وترشيد الاستهلاك
  • تنفيذ المشاريع قبل استكمال الدراسات المناخية والجيولوجية بدقة
  • هشاشة منظومة البيانات المتكاملة وغياب الرصد الآني وقواعد البيانات المشتركة
  • قصور في ثقافة الاستهلاك وعدم احتساب القيمة الاقتصادية الحقيقية للمياه

التبخّر السطحي: العدوّ الخفي للمخزون المائي

في بعض المحافظات الحارّة يبلغ التبخر السنوي من سطح السدود 2.5 متر؛ أي إن جزءًا معتبرًا من مياه السيطرة على الفيضانات يضيع قبل الاستخدام. عالميًا تُطرح حلول مبتكرة للحدّ من هذه الخسائر:

  • كرات التظليل من البولي إيثيلين التي تغطي السطح وتحجب الشمس
  • ألواح شمسية عائمة تقلّص التبخّر وتولّد كهرباء نظيفة
  • أغشية أحادية الجزيء (Monolayer) تقوّي الطبقة السطحية للماء
  • أنابيب بدل القنوات المفتوحة لنقل المياه الخام أو المعالجة، ما يكاد يُنهي الفواقد بالتبخر والتسرّب

أنابيب البولي إيثيلين وثورة الريّ بالتنقيط

المزايا الأساسية

  • انعدام تبخّر النقل: الجريان داخل قناة مغلقة ومعتمة
  • مقاومة للتسرّب والانكسار: وصلات ملحومة ومرونة تتحمّل الهبوط الأرضي
  • خفض الفواقد في التربة: توزيع دقيق يصل مباشرة إلى منطقة الجذور
  • متانة وتكاليف صيانة منخفضة: مقاومة لأشعة الشمس والملوحة والمواد الكيميائية

مقارنة فواقد المياه في أنظمة الري

طريقة الري الفاقد الكلي (%) نسبة الفاقد من التبخّر السطحي (%)
الغمر التقليدي 30–50 40–60
الرشّ المضغوط 15–25 20–30
التنقيط بأنابيب PE 10–20 10–20

لا تزيد هذه الوفورات المتاحَ من المياه فحسب، بل تقلّل الضخّ من الجوف وتُحسّن ميزان الأحواض.

خارطة طريق لإدارة مستدامة للمياه

إعادة هيكلة الحوكمة ودمج البيانات

  • إنشاء المركز الوطني لبيانات المياه لتجميع الحساسات والبيانات الفضائية الآنية
  • اعتماد تسعير تصاعدي وفق الاستهلاك والإنتاجية

إعادة النظر في مواقع السدود وتصاميمها

  • أولوية لـالسدود العالية ذات المساحات السطحية الصغيرة للحد من التبخر
  • استعادة الجريان الأدنى لإعادة تغذية المياه الجوفية

الاستثمار في تقليل التبخر

  • حوافز مالية لـالطاقة الشمسية العائمة وأغطية الكرات المظلِّلة

توسيع تقنيات الري الذكي

  • استخدام حساسات رطوبة التربة وصمامات أوتوماتيكية للري على أساس حاجة النبات
  • قروض منخفضة الفائدة لاستبدال القنوات المفتوحة بـأنابيب PE في الحيازات الصغيرة

إحياء الأحواض الجوفية والتغذية الاصطناعية

  • إنشاء أحواض تغذية للسيول وإدارة جريان المدن لشحن الطبقات الضحلة

تنويع المنابع

  • تحلية بحرية مرحلية مع الطاقة المتجددة، خصوصًا في الموانئ الجنوبية
  • إعادة استخدام مياه الصرف للحدائق العامة والصناعة

الخلاصة

تعود أزمة المياه في إيران إلى محورين: قيود مناخية وسوء إدارةٍ تاريخي. ويتطلب تثبيت الموارد المتاحة مزيجًا من إحياء الحلول التقليدية والتقنية الحديثة وإصلاح الحوكمة. إن خفض التبخر في الخزانات ومسارات النقل مع رفع كفاءة الري عبر أنابيب البولي إيثيلين ونُظم التنقيط يمكن أن يستعيد 20–30% من الفواقد على المدى القصير. وعلى المدى المتوسط، يتيح تكامل البيانات ومواءمة السياسات وتسعير المياه الواقعي وإعادة استخدام الصرف مسارًا لعودة الأحواض إلى الاتزان. وفي النهاية، يمثّل أمن المياه في إيران ركيزةً لاستمرار الزراعة والتنمية الاقتصادية ومناعةٍ اجتماعية وبيئية في العقود المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

محاسبه‌گر

در حال بارگذاری...